الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

84

مختصر الامثل

عليها عند ذبحها ، لأنّها - من الناحية الأخلاقية والمعنوية - تدل على الابتعاد عن اللَّه وعن جادة التوحيد ولهذا حرّمت أيضاً . وعلى هذا الأساس أنّ الشروط الإسلامية المقررة في الذبح على نوعين : بعضها - مثل قطع الأوداج الأربعة ، وخروج القدر المتعارف من دم الذبيحة - لها جانب صحّي . وبعضها الآخر - مثل توجيه مقاديم الذبيحة نحو القبلة عند الذبح ، وذكر اسم اللَّه عنده ، وكون الذابح مسلماً - لها جانب معنوي . ثم إنّه سبحانه استثنى - في آخر الآية - من اضطر إلى تناول شيء مما ذكر من اللحوم المحرّمة ، كما لو لم يجد أيّ طعام آخر وتوقّفت حياته على تناول شيء من تلك اللحوم ، إذ قال : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » « 1 » . يعني أنّ من اضطرّ إلى أكل شيء مما ذكرِ من المنهيات فلا إثم عليه ، بشرط أن يكون للحفاظ على حياته ، لا للذة ، ولا مستحلّاً لما حرّمه اللَّه ، أو متجاوزاً حدّ الضرورة ، ففي هذه الصورة « فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . وإنّما اشترط هذان الشرطان لكي لا يتذرّع المضطرون بهذه الإباحة فيتعدّوا حدود ما قرّره اللَّه بحجة الاضطرار . وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( 146 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) إنّ هاتين الآيتين تشيران إلى بعض ما حرّم على اليهود ليتبين أنّ أحكام الوثنيين الخرافية والمجهولة لا تنطبق لا على أحكام الإسلام ، ولا على دين اليهود ( بل ولا على دين المسيح الذي يتبع في أكثر أحكامه الدين اليهودي ) . ولهذا يقول سبحانه في البداية : « وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ » . يستفاد من الآية المبحوثة أنّ جميع الحيوانات التي لا تكون ذات أظلاف - دواباً كانت أو طيوراً - كانت محرّمة على اليهود .

--> ( 1 ) « الباغي » : من « البَغْي » وهو يعني الطلب ؛ و « العادي » : من « العَدْو » وهو يعني التجاوز .